الاستعداد لعصر وكلاء الذكاء الاصطناعي: الجزء الثالث: تصميم البنية الهيكلية ومسارات العمل

لقد قطع الذكاء الاصطناعي شوطًا طويلًا منذ أيامه الأولى، وبات أداة ثورية لا تقتصر فقط على “بوتات المحادثة التجريبية” التي كانت تعتمد في عملها على النصوص الجاهزة المتسمة بالجمود والرتابة. ففي 2025، أصبح الذكاء الاصطناعي بنسخته الجديدة، يشكّل البنية التحتية لعالم الأعمال، واستُخدم في المؤسسات كأنظمة رقمية قادرة على التفكير والتخطيط وتنفيذ المهام المطلوبة بدرجة عالية من المنطقية الموجهة نحو تحقيق الأهداف. ومع ذلك، فإن نجاح الشركات في هذا المجال القائم على استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي لا يقتصر فقط على الإمكانيات التقنية، فالسر يكمن في براعة التصميم. فتطوير البنية الهيكلية لوكلاء الذكاء الاصطناعي يعد بمثابة نقطة امتزاج الخيال التصوري مع التطبيق العملي، حيث تتحول ألمع الأفكار إلى منتج فعّال ذو أهمية وقيمة.

ولإدراك القوة الكامنة في هذه التقنية، علينا أن نفهم أولًا المقصود بالبنية الهيكلية لوكيل الذكاء الاصطناعي. بنية وكيل الذكاء الاصطناعي هي العامل المسؤول عن رسم ملامح النتائج التي يمكن للوكيل تحقيقها، إذ إنها قادرة على تحديد كيفية إدراكه للسياق الذي يعمل به، وآلية تنظيمه للمعرفة، وتكامله مع الأدوات الأخرى، والطريقة التي يستفيد بها من التجربة والتغذية الراجعة. ففي الواقع، البنية هي الفاصل بين نجاح النظام بأن يكون بمثابة عقل مرن قادر على حل المشكلات الناشئة، أو مجرد تجربة لا يمكن الوثوق بها أو الاعتماد عليها. لذلك، فإن تصميمها على نحو فعّال لا يتعلق بالبرمجة بقدر ما يتعلق بصياغة “النموذج العقلي” الذي يتفاعل الوكيل من خلاله مع البيئة التي يعمل فيها.

 الأساس الجوهري لوكلاء الذكاء الاصطناعي

لفهم سرّ العلاقة بين البنية والقدرات الكامنة التي نسعى لتوظيفها بأقصى درجة ممكنة، علينا أولًا التركيز على جوهر وكيل الذكاء الاصطناعي. ببساطة، يمكن وصف الوكيل ككيان رقمي قادر على إدراك البيئة المحيطة به، فيتخذ قرارات وإجراءات لتحقيق الأهداف المنشودة. لكن من الجدير بالذكر، أن هذه المنظومة تنطوي على تعقيدات وطبقات متداخلة تعمل بتناغم عبر تدفّقات البيانات، واستدعاءات واجهات برمجة التطبيقات (APIs) وسلاسل التفكير والتحليل. في البداية تأتي طبقة الإدراك، وهي الطبقة المسؤولة عن استقبال وفهم المدخلات والمعطيات بمختلف أنواعها سواء كانت أوامر من المستخدم، أو بيانات من قواعد المعرفة، أو بيانات التشغيل والتحليل. تليها طبقة التفكير والتخطيط، حيث تعمل النماذج اللغوية خلف الكواليس، فتربط بين الأفكار بطريقة منطقية، وتضع خططًا مبنية على الاحتمالات، لتساعد الوكيل على اتخاذ قرارات منطقية وبلوغ أهدافه.

تأتي بعد ذلك طبقة الذاكرة، وهي تعتبر الروح للسلوك التكيفي لوكيل الذكاء الاصطناعي، ففيها تُخزَّن الخبرة وتُعزّز القدرة على التعلم. إذ تحتفظ الذاكرة قصيرة المدى بسياق التفاعل الحالي، أي ما يحدث في اللحظة الآنية، في حين تُسجِّل الذاكرة طويلة المدى حصيلة التجارب والقرارات السابقة، لتمنح النظام نوعًا من “الحدس” الشبيه بالإدراك البشري. وبالنسبة للطبقات الأخرى المتبقية — تكامل الأدوات وأطر تحقيق الاتساق بين الأفعال — فهي مسؤولة عن تحويل قرارات الوكيل إلى نتائج ملموسة، من خلال واجهات برمجة التطبيقات، أو أنظمة البيانات، أو حتى العمليات الآلية والروبوتية.

وعندما تُصمَّم هذه المكوّنات والطبقات بتوازن وانسجام، يصبح لدينا منظومة متكاملة: وكيل ينظر إلى المسألة بتفاصيلها، ويتذكر الخبرات السابقة، ويتخذ قراراته بوعي، وينفذها بثقة. لكن على خلاف ما سبق، فإن تطويرها على عجل يتسبب في إنشاء منظومة متفككة، إذ تكون الأنظمة قوية في أجزائها الأساسية، غير أن أداءها يكون متدنيًا ولا يرتقي للمستوى المطلوب.

 الجدول 1 – الطبقات الأساسية لبنية وكيل الذكاء الاصطناعي

 

الطبقة

الوظيفة الأساسية

التقنيات النموذجية

مخاطر تدني التصميم

الإدراك

جمع وتفسير المدخلات الأولية

محلّلات استدعاءات واجهة برمجة التطبيقات (API)‏، مسارات معالجة اللغة الطبيعية (NLP)

عدم اتساق البيانات، أو التشويش المعلوماتي

التفكير المنطقي والتخطيط

تصنيف الأهداف إلى قرارات وأفعال محددة

وحدات استدلال النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، نماذج التخطيط

سلوك غير متوقّع أو غير حتمي

الذاكرة

تخزين واسترجاع المعلومات ذات الصلة

قواعد بيانات المتجهات، مساحات التخزين المؤقتة

فقدان السياق، تكرار الأخطاء

التكامل والأدوات

تنفيذ المهام عبر الأنظمة الخارجية

تنسيق واجهات برمجة التطبيقات، أدوات الربط

تجزئة مسار العمل وفقدان الترابط

الإجراءات والتغذية الراجعة

التحقق من النتائج وتحسينها بشكل مستمر

وكلاء المراقبة، وحدات التقييم

غياب التعلم، محدودية الثقة

 

من النماذج إلى الأنظمة: ما السبب وراء الأهمية المقترنة بالبنية الهيكلية؟

أدركت غالبية المؤسسات التي تخوض اليوم تجربة الذكاء القائم على وكلاء الذكاء الاصطناعي حقيقة جوهرية مفادها أن دمج نموذج لغوي كبير في منتج لا يجعل منه وكيلًا كما هو متوقع. الحقيقة هي أن ذلك يحتاج إلى ما هو أبعد من محرّك لغوي؛ فتطوير وكيل الذكاء الاصطناعي يتطلّب تنسيقًا منهجيًا يجمع بين التفكير المنطقي والذاكرة والتنفيذ في إطارٍ يخدم الهدف المؤسسي.

فتصميم البنية الهيكلية هو ما يحوّل الذكاء “المنعزل” إلى قدرة متسقة الأبعاد، وهو ما يقدم الإجابات على الأسئلة المحورية مثل: كيف يصل الوكيل إلى المعرفة دون اختلاق المعلومات؟ ومتى ينبغي عليه إشراك العنصر البشري في القرار المتخذ؟ كيف يتذكّر الأحداث السابقة أو يقيس دقّته؟ هذه ليست تفاصيل تقنية ثانوية، بل هي أسس حيوية تربط بين نظريات الذكاء الاصطناعي وموثوقية التطبيق العملي في المؤسسات.

إن أفضل البنى وأنجحها هي تلك التي تتعامل مع الوكيل بوصفه شبكة تفاعلية لمسار العمل تتضمن عدة وظائف مترابطة بدلاً من نموذج واحد ضخم مسؤول عن الاضطلاع بالمهام كافة. هذا التحوّل مماثل لطريقة عمل المؤسسات التقليدية، فكما تُقسَّم المهام بين مختصين وتُدار القرارات عبر مستويات القيادة، تُوزَّع مهام التفكير والمعالجة داخل نظام وكيل الذكاء الاصطناعي بين وحدات وأدوار وبروتوكولات تواصل واضحة. وهكذا تتحوّل البنية من مجرد هيكل تقني إلى فلسفة تشغيلية تُوجّه طريقة تفكير النظام وعمله.

أنماط البنية الهيكلية: إيجاد النموذج الأمثل 

رغم أن كل مؤسسة تدخل التعديلات التي تراها مناسبة على تصميمها بحسب احتياجاتها، إلا أن بعض أنماط التصميم المميزة أصبحت شائعة في 2025.

أبسطها هو نمط ReAct، أي “التفكير + الفعل”. في هذا النمط، يقوم الوكيل أولًا بتحليل المشكلة، ثم ينفذ إجراءً، وبعده يلاحظ النتيجة، ويعيد التفكير بناءً على ما حدث حتى يصل للحل الأمثل. هذا النمط فعّال جدًا للمهام البسيطة مثل تلخيص التقارير، وصياغة الردود، أو حساب المؤشرات التنافسية، غير أنه قد يفتقر إلى العمق الاستراتيجي في الحالات المعقدة.

نمط الانعكاس (Reflection) الذي يضيف خطوة التقييم الذاتي. بعد إنهاء المهمة، يعيد الوكيل مراجعة مخرجاته، وينتقد أدائه، ويصحح بناءً على ذلك قراراته المستقبلية. وفي هذا النمط يتم التركيز على خاصية الذاكرة، فيتحول الوكيل من كونه تفاعليًا فقط إلى أداة يمكنها تصحيح أخطائها ذاتيًا، ما يشكّل قاعدة أساسية لموثوقية الأنظمة في البيئة المؤسسية.

مع تزايد التعقيد العملياتي، تتجه البُنى بشكل متزايد نحو تنسيق عدة وكلاء (multi‑agent orchestration). في هذه الأنظمة، يتم التنسيق بين شبكات من المتخصصين، حيث يتولى بعضهم مهام جمع البيانات، وآخرون مهام التحليل أو الكتابة أو التحقق من النتائج، وكل ذلك يتم تحت إشراف وكيل يعمل كـ “مدير” يتولى مسؤولية تحليل الأهداف، وتفويض المهام الفرعية، وتجميع النتائج. والتشابه هنا مع التنظيم البشري واضح جدًا لأنه مقصود: فالنمط يوسّع الخبرة أفقيًا دون أن يحمّل مسار استدلال واحد فوق طاقته.

أخيرًا، يوجد نمط السرب أو التعاوني (Swarm/Emergent)، حيث لا يوجد وكيل مركزي للتحكم في النظام. بدلاً من ذلك، يعمل عشرات أو مئات الوكلاء بشكل مستقل، ويتعاونون ويتأثرون ببعضهم عبر الذاكرة المشتركة أو إشارات المكافأة. وعلى الرغم من أن هذه التصاميم لا تزال تجريبية، إلا أنها تعتبر واعدة للمهام القائمة على الاكتشاف والإبداع، مثل تلخيص البحوث أو التصميم التوليدي. وإن كل نمط من هذه الأنماط يعكس فلسفة مختلفة للذكاء، سواء كانت هرمية، أو تعاونية، أو نشوئية. وعليه، فإن اختيار النمط المناسب يعتمد على ثقافة المؤسسة بقدر اعتماده على الطموح التقني.

الجدول 2 – الأنماط الشائعة للبنى الهيكلية لوكلاء الذكاء الاصطناعي

 

النمط

الوصف

حالة الاستخدام المثالية

التحديات

نمط ReAct

يتناوب بين التفكير والفعل عبر حلقات ديناميكية

سير عمل بسيط ومنظم

قدرات محدودة، ولا يصحح أخطاءه ذاتيًا

نمط Reflection

يضيف دورات النقد والمراجعة للتعلم الذاتي

القرارات المعقدة والتي تتطلب حكمًا دقيقًا

تكلفة أعلى، سرعة تنفيذ أبطأ

تنسيق الوكلاء المتعددين (Orchestrated Multi‑Agent)

تفويض المهام الجزئية تحت إشراف وكيل “مدير”

المسارات المؤسسية، والمشاريع متعددة المجالات

يحتاج إلى حوكمة قوية

نمط السرب / التعاوني (Swarm/Emergent)

تعاون العديد من الوكلاء بشكل مستقل

البحث والاكتشاف الإبداعي

غير مستقر، صعب المراجعة والتدقيق

 

تصميم مسارات العمل…التركيز على ما يتجاوز الأنظمة

البنية الهيكلية تحدد كيف تترابط المكونات ببعضها، أما سير العمل فيحدد كيف يتم توظيف الذكاء في النظام. في الوكلاء الفعّالين، يعكس سير العمل طريقة المنهج العلمي القائم على الملاحظات والفرضيات والتنفيذ والتقييم والتعلّم. هذه الدورة هي سر مرونة الأنظمة الذكية وقدرتها على التحسّن المستمر، ما يسمح للوكيل بالتكيّف مع البيانات الجديدة عند ظهورها.

يبدأ سير العمل المصمم بعناية بـ “ترجمة الأهداف” أي تحويل الأهداف البشرية المتسمة بالغموض إلى مهام واضحة يمكن للوكيل التعامل معها. بعد ذلك، يقوم النظام بتحليل الهدف وتجزئته إلى أهداف أصغر، ويوجه المهام إلى الوحدات أو الأدوات المناسبة، ويقيّم النتائج المرحلية، ثم يُعيد إدخال النتائج المستخلصة إلى الذاكرة للاستفادة منها في المستقبل.

على سبيل المثال، لنأخذ مثالًا لوكيل لتحليلات التسويق تم تكليفه بتحديد التوجهات الجديدة للعملاء. قد يبدأ سير العمل بالاستعلام من مستودعات البيانات، ثم ينتقل إلى نماذج تحليل المشاعر، بعدها تُوجّه الملخصات إلى وحدة توليد المحتوى لاقتراح أفكار للحملات. وفي المرحلة التالية، يقوم وكيل فرعي لمراقبة الأداء بتحليل بيانات ردود فعل الجمهور، ويستخدم النتائج المستخلصة لصياغة الاستراتيجية المستقبلية. هذه البنية الدورية للتفاعل بين الإدراك، والفعل، والتقييم هي ما يميز سير العمل المرن عن الأتمتة الثابتة.

تشير التقارير من المؤسسات التي تتقن هذا النهج إلى تسجيل تحسينات ملحوظة في مستوى الكفاءة. فالتجارب الداخلية في المؤسسات المالية، على سبيل المثال، أظهرت أن الوكلاء الموجهين بسير العمل يختصرون أوقات اتخاذ القرارات المتكررة إلى النصف، لأن السياق والنتائج السابقة جميعها تلعب دورًا في توجيه الإجراءات الجديدة. فالنظام في هذه الحالة لا يلتزم بخطة ثابتة بتعليمات محددة، بل يطوّر الخطة ويتعلّم أبعادها أثناء التنفيذ.

تجارب من الواقع العملي

في مختلف القطاعات، أثبتت التجربة أن القرارات ذات الصلة بتصميم البنية الهيكلية للأنظمة هي العامل الأكثر تأثيرًا على الأداء.
ففي خدمة العملاء: طوّرت شركات الاتصالات أنظمة قائمة على نموذج “الوكيل المنسق” (Orchestrator–Worker)، حيث يقوم وكيل “مشرف” بتحليل رسائل العملاء وتصنيفها حسب طبيعة المشاعر والأولوية، ثم يوجّه كل استفسار إلى وكيل متخصص للتعامل معه. النتيجة لم تكن فقط سرعة في الردود، بل أيضًا بتوحيد أسلوب التواصل وبناء ثقافة خدمية متناسقة عبر آلاف المحادثات.

في قطاع النقل واللوجستيات: لا يكمن التحدي في العاطفة فقط، بل في العامل الزمني. فمثلًا، قامت إحدى شركات الشحن العالمية بدمج وكلاء تنبؤيين في نظامها لإدارة الجداول الزمنية، وبالتالي أصبح كل ميناء يمثّل وحدة مستقلة تتخذ قراراتها بنفسها، وترسل بيانات آنية مثل حالة الطقس، وقوائم الانتظار الخاصة بالجمارك، وحالة المعدات، إلى نظام مركزي لتحسين العمليات. بدلاً من تحديث المسارات يوميًا، أصبح النظام يحدّثها كل خمس عشرة دقيقة. هذا الأسلوب زاد من كفاءة حركة الحاويات بنحو 30٪ وقلّل بشكل كبير من تكاليف الوقود المهدر.

وفي مجال تطوير البرمجيات، بدأت بعض فرق الهندسة باستخدام وكلاء برمجيين تعاونيين ضمن هيكل عمل هرمي. إذ يقوم الوكيل “المدير” بتقسيم المهام، وتوزيع أجزاء البرمجة على وكلاء فرعيين، ويطلب الاختبارات من وكيل ضمان الجودة، ثم يدمج الأعمال التي تم التحقق منها. هذه البنية تشبه أسلوب العمل المرن (Agile)، حيث يشرف المطورون على العملية بدلًا من تنفيذ كل خطوة بأنفسهم.

هذه الأنظمة الواقعية تشترك في فكرة أساسية وهي توزيع مهام التفكير واتخاذ القرارات. فبدلًا من الاعتماد على وكيل واحد فقط، يصبح النظام عبارة عن شبكة من وحدات متخصصة، لكل منها دورها الخاص، تتعاون مع الوحدات الأخرى بانسيابية ضمن حدود واضحة، لتحقيق النتيجة المطلوبة بكفاءة.

تحقيق التوازن بين السيطرة والتحكم الذاتي

تخيل أن النظام وكيل الذكاء الاصطناعي يشبه جسمًا حيًا: البنية هي الهيكل العظمي الذي يمنحه الشكل، والحوكمة هي الجهاز العصبي الذي يوجّه حركته. إذا منحنا النظام حرية كاملة بدون أي ضوابط، ستحدث فوضى لأنه لا يعرف الحدود، وإذا فرضنا عليه تحكمًا مطلقًا بلا قدر من الحرية، سيتوقف عن التفكير والإبداع. لذلك، يجب تصميم النظام بحيث يكون مستقلًا يتمتع بدرجة من التحكم الذاتي ضمن حدود آمنة. أي، يمكنه التجربة واتخاذ القرارات بحرية، لكنه يلتزم بالقواعد والمعايير التي تحمي المخرجات.

وتبدأ الحوكمة الفعّالة بالشفافية، إذ ينبغي تسجيل كل خطوة يقوم بها النظام عند اتخاذ أي قرار وذلك لضمان قابلية الشرح، سواء كانت على شكل أوامر، أو استدعاءات للأدوات، أو قرارات تتعلّق بتخطيط المهام. تستخدم الأنظمة المتقدمة لوحات معلومات للتتبع منطق الاستدلال، الغرض منها هو عرض جميع خطوات تفكير النظام بشكل مرئي، خطوة بخطوة وذلك للسماح للمهندسين والمراجعين بفهم الأسباب التي دفعت الوكيل للوصول إلى نتيجة معيّنة.

من المهم أيضًا أن يكون النظام قابلًا للتفسير على مستوى الأعمال. يجب على المسؤولين التنفيذيين الذين يوافقون على عمليات تدشين واسعة النطاق أن يفهموا كيف يتخذ زملاؤهم الرقميون قراراتهم التي تمس مجالات حيوية مثل الشؤون المالية واللوجستيات والامتثال التنظيمي. فالوكيل الذي لا يستطيع تفسير قراراته، لا يمكن الوثوق به في نهاية المطاف.

وتحافظ العديد من المؤسسات على هذا التوازن من خلال نقاط مراجعة يدخل فيها العنصر البشري في الحلقة، حيث يتولى الوكلاء تنفيذ المهام في سياقات منخفضة المخاطر بصورة مستقلة، لكنهم يرفعون الحالات التي يوجد فيها لبس أو تعقيدات إلى المشرفين من البشر لاتخاذ القرار المناسب. ومع الوقت، وتزايد الثقة في أداء الأنظمة في مجالات محددة، يمكن تقليل مستوى التدخل البشري تدريجيًا، وبذلك يتم تدريب كلٍّ من البشر والأنظمة على العمل بشكل تفاعلي قائم على التعاون المتبادل.

الاقتصاد الخفي للبنية الهيكلية

تؤثر جودة البنية الهيكلية بشكل مباشر على الكفاءة المالية. فالأنظمة المصممة بشكل سيئ لها العديد من التبعات التي تشمل هدر قدرات المعالجة واستدعاءات واجهات البرمجة (API calls)، مما يؤدي إلى زيادة التكاليف التشغيلية بنسبة قد تتجاوز 30٪. أما الأنظمة المعتمدة على البنية المعيارية (Modularity) فهي تتيح إعادة الاستخدام؛ إذ يمكن للمكونات الاستدلالية الموحدة أن تخدم عدة وكلاء في نفس المؤسسة.

علاوة على ذلك، فإن البنية المتماسكة تُبسّط الامتثال التنظيمي، فعندما تشترك مسارات العمل في واجهات تسجيل وتقييم موحدة، يمكن إتمام عمليات التدقيق غضون ساعات معدودة بدلًا من أسابيع كما في السابق. وبذلك فإن القرارات التصميمية التي تُعزز اتساق الذكاء، هي ذاتها التي تُقلل التعقيد التشغيلي على مستوى المؤسسة.

من منظور استراتيجي، يمكن اعتبار البنية الهيكلية وسيلة للتحكم في التكاليف مموهة كسياسة للابتكار. فالمديرون التنفيذيون لتقنية المعلومات الذين يتعاملون مع قرارات التصميم كآليات حوكمة لا كمُلحقات ثانوية، ينجحون في إنشاء بنية تحتية قابلة للتوسع بسلاسة وفعالية وبتكاليف معقولة غير باهظة.

آفاق جديدة

مع تقدّم عام 2025، تتبلور ابتكارات تصميمية تُعيد تعريف مفهوم “البنية الهيكلية للوكلاء”. إحدى هذه الابتكارات المتقدمة هي الاستدلال القائم على الرسوم البيانية، حيث تتفرع مسارات القرار ديناميكيًا مثل الشبكات المعرفية، بدلاً من اتباع السلاسل الخطّية. هذا النموذج يمنح الوكلاء قدرة على إدراك العلاقات الخفية بين المعارف، واستدعاء السياق بدقّة، والتكيّف مع مجالات جديدة دون الحاجة لجهود إعادة تدريب مطوّلة.

تطور آخر هو دوائر الانعكاس الذاتية المستقلة، حيث يقوم الوكلاء المشرفون بتقييم الأداء على مستوى الشبكة كاملة وتشغيل دورات الضبط والتحسين تلقائيًا دون تدخل بشري. تسمح هذه الآليات لأنظمة الوكلاء الكبيرة بإصلاح عيوبها ذاتيًا؛ فهي تكتشف الانحرافات في الأداء، وتحسّن استراتيجيات التوجيه، وتعيد تدريب الوحدات الفرعية دون الحاجة إلى تدخل بشري.

وعند التقاء هذه الاتجاهات تظهر رؤية جديدة: التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في بنية متكاملة. لم يعد التصميم يكتفي بإضافة رقابة بشرية إلى سير العمل، بل بات يفترض التشارك الإبداعي، حيث يتقاسم الإنسان والوكلاء حالات ذهنية متزامنة في الزمن الآني. وفي المجالات الإبداعية، يتجسد هذا المفهوم فيما يُعرف بـ “سلاسل المساعدين المشتركين” (Co-Pilot Chains) التي توصف كمنظومات يتبادل فيها الكتّاب والمصممون ونظراؤهم الرقميون الأفكار غير المكتملة، فيقوم كل طرف بصقل مخرجات الآخر والارتقاء بها للأفضل. وبهذا، تتلاشى الحدود بين وعي والإدراك للإنسان والآلة على حد سواء، لترتقي العملية الإبداعية بذلك من مجرد وسيلة تنفيذية إلى شراكة فكرية حقيقية.

البنية الهيكلية كاستراتيجية طويلة الأمد

قد يجذب الإيقاع السريع للابتكار القادة للتركيز على تبني كل جديد، دون إيلاء أهمية للأساس المتين. لكن المؤسسات التي تحافظ على ميزة تنافسية مستدامة تدرك أن الانضباط في التصميم والبنية الهيكلية هو استثمار طويل الأمد يعود بمنافع عظيمة مع الوقت. يمكن تشبيه ذلك بالتخطيط الحضري: المدينة لا تزدهر من خلال أبراجها الشاهقة، بل من خلال امتلاكها لبنية تحتية متينة تدعم النمو المستدام بسلاسة مع الحرص على تجنب الانهيارات، وبالمثل، فإن المؤسسات التي تضع ركائز قوية لبنيتها الهيكلية قادرة على التوسع والابتكار دون التعرض لعقبات لا يمكن تجاوزها.

ولتحقق البنية الهيكلية لوكلاء الذكاء الاصطناعي النجاح المتوقع منها، يجب أن تمتلك قدرة حقيقية على الصمود والتطور. فهي مطالبة بأن تتيح لكل طبقة من طبقاتها أن تتطور بشكل مستقل بما يشمل تحديث أطر الذاكرة، واستبدال نماذج الاستدلال، وتوسيع نطاق التكاملات وذلك من دون أن يتأثر النظام ككل أو يختل توازنه. إن تصميم هذه المرونة منذ المراحل الأولى هو ما يضمن تمكين البنية الهيكلية في الوقت الراهن من مواكبة التحولات المستقبلية المختلفة.

ولا يقلّ عن ذلك أهمية غرس ثقافة التغذية الراجعة وتقديم الملاحظات على نحو مستمر. فالبنية التقنية لا تزدهر دون أن ترافقها جاهزية تنظيمية للتجريب والتحسين المتكرر. وحين يتحدث المهندسون وعلماء البيانات وأصحاب القرار بلغة واحدة حول مقاييس الأداء، تنشأ داخل المؤسسة حلقة حيّة للتغذية الراجعة التي تسهم في إدخال تحسينات على الوكيل لتعكس وعيه الذاتي.

الأبعاد الأخرى للمخطط التفصيلي

تصميم البنى الفعّالة للوكلاء وتحديد مسارات العمل ليس مجرد عمل هندسي، بل هو فن يجسد التفكير المنهجي. فهو يتطلب فهمًا لكيفية عمل الذكاء، وكذلك لطريقة تفكير المؤسسات واتخاذها للقرارات وقدرتها على التكيف مع المستجدات. وأفضل البنى هي التي تعكس هذا التوافق، فهي لا تكتفي بأتمتة العمليات، بل تُجسّد ثقافة المؤسسة في طريقة عملها.

إذا كانت الحقبة الأولى للذكاء الاصطناعي قد انصبّت على إبراز قدرات النماذج الفردية، فإن الحقبة القادمة تتمحور حول جمع هذه النماذج في منظومات مترابطة. فالبنية الهيكلية تقدم الإيقاع الذي يحوّل النتائج المعزولة إلى تقدم متسق، بينما يحوّل تصميم سير العمل هذا الإيقاع إلى إنتاجية يومية، مع تضمين الذكاء بسلاسة وعمق داخل العمليات التشغيلية.

ومع انتقال المؤسسات تدريجيًا نحو شبكات اتخاذ القرار المستقلة، سيصبح التصميم مصدرًا حقيقيًا للتميّز. ولن يكون النجاح في هذا المجال مقترنًا بامتلاك أضخم النماذج أو ألمع العروض، بل على تطوير أنظمة مدروسة بعناية، أنظمة تدرك وتخطط وتطبق وتقيّم أدائها بسلاسة، تمامًا كما يفعل البشر الذين تتعاون معهم.

وفي هذا السياق، فإن تصميم بنى الذكاء الاصطناعي يعني تصميم مستقبل العمل: هيكل يعمل فيه الإدراك البشري والتفكير الآلي بانسجام، ويساعد فيه كل طرف الطرف الآخر على التفكير بشكل أفضل.

Scroll to Top